البغدادي
115
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وفرّط في قوله : « الغرّ » لأنّ السّود أمدح من البيض ، لأجل الدّهن وكثرة القرى فيهنّ . وفرّط في قوله : بالضّحى ، وهو قادر على أن يقول في الدّجى ، لأن كلّ شيء يلمع في الضّحى . وفرّط في قوله : يقطرن ، وهو قادر على أن يقول : يجرين ، لأن القطر قطرة بعد قطرة . وقال قدامة : أراد بقوله الغرّ المشهورات . وقال بالضّحى لأنه لا يلمع فيه إلّا عظيم ساطع الضوء ، والدّجى يلمع فيه يسير النور . وأما أسياف وجفنات فإنّه قد يوضع القليل موضع الكثير ، كما قال سبحانه « 1 » : « لَهُمْ جَنَّاتٍ » و « دَرَجاتٍ « 2 » » . وقوله : « يقطرن دما » هو المعروف والمألوف ، فلو قال يجرين لخرج عن العادة . وينوب قطر عن جرى . ا ه . وقال ابن أبي الإصبع في « كتابه تحرير التحبير » : في باب الإفراط في الصفة ، وهو الذي سمّاه قدامة المبالغة ، وسمّاه من بعده التبليغ : وحدّ قدامة المبالغة بأن قال « 3 » : هي أن يذكر المتكلّم حالا من الأحوال لو وقف عندها لأجزأت ، فلا يقف حتّى يزيد في معنى ما ذكره ما يكون أبلغ في معنى قصده ، كقوله « 4 » : ( الوافر ) ونكرم جارنا ما دام فينا * ونتبعه الكرامة حيث مالا وأنا أقول : قد اختلف في المبالغة ، فقوم يرون أجود الشعر أكذبه وخير الكلام ما بولغ فيه ، ويحتجّون بما جرى بين النابغة الذبياني ، وبين حسّان في استدراك النابغة عليه تلك المواضع ، في قوله : لنا الجفنات الغرّ * . . . . . . . . . . . . . . . البيت فإنّ النابغة إنّما عاب على حسان ترك المبالغة . والقصّة مشهورة ، وإن روي عنه انقطاعه في يد النابغة . وقوم يرون المبالغة من عيوب الكلام . والقولان مردودان .
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 25 و 198 ؛ وسورة المائدة : 5 / 119 . ( 2 ) سورة الأنفال : 8 / 4 . ( 3 ) نقد الشعر ص 84 ؛ وكتاب الصناعتين ص 378 - 379 . ( 4 ) في تحرير التحبير ص 147 : " كقول عمرو بن الأهتم التغلبي " . والبيت لابن الأهتم في كتاب الصناعتين ص 379 ؛ ونقد الشعر ص 84 .